ابن أبي الحديد

108

شرح نهج البلاغة

قال نصر : وأتم علي عليه السلام صلاته يوم دخل الكوفة ، فلما كانت الجمعة خطب الناس ، فقال : الحمد لله الذي أحمده ( 1 ) وأستعينه وأستهديه ، وأعوذ بالله من الضلالة ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، انتجبه لامره ، واختصه بنبوته . أكرم خلقه عليه ، وأحبهم إليه ، فبلغ رسالة ربه ، ونصح لامته ، وأدى الذي عليه . أوصيكم بتقوى الله ، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله ، وأقربه إلى رضوان الله ، وخيره في عواقب الأمور عند الله ، وبتقوى الله أمرتم ، وللاحسان والطاعة خلقتم ، فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه ، فإنه حذر بأسا شديدا ، واخشوا خشية ليست بتعذير ( 2 ) واعملوا في غير رياء ولا سمعة فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل له ، ومن عمل لله مخلصا تولى الله أجره . أشفقوا من عذاب الله ، فإنه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترك شيئا من أمركم سدى ، قد سمى آثاركم ، وعلم أعمالكم ، وكتب آجالكم ، فلا تغتروا بالدنيا فإنها غرارة لأهلها ، مغرور من اغتر بها ، وإلى فناء ما هي ، وإن الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون . أسأل الله منازل الشهداء ، ومرافقة الأنبياء ، ومعيشة السعداء ، فإنما نحن به وله ( 3 ) . قال نصر : ثم ( 4 ) استعمل علي عليه السلام العمال وفرقهم في البلاد ، وكتب إلى معاوية مع جرير بن عبد الله البجلي ما تقدم ذكره .

--> ( 1 ) صفين : ( إن الحمد لله أحمده ) . ( 2 ) التعذير هنا : الاهمال والتقصير . ( 3 ) صفين 13 . ( 4 ) كتاب صفين 14 ، وفيه : ( ثم إن عليا أقام بالكوفة واستعمل العمال ) .